DELMON POST LOGO

ملكُ البحرين يصنع الفرح ويزرع الأمل ويُصوب البوصلة ..

بقلم محمد حسن العرادي - البحرين

سنوات من الإحتقان والتوتر والوجوه العابسة الملتبسة المشككة في المستقبل، تتطلع إلى لحظة من الفَرَجَ المستحيل ينزل من السماء، وكأنها دعوة مستجابة في ليلة القدر  من قلوب الأمهات اللواتي إنتظرن طويلاً، ورفعن أكفهن تضرعاً وخِيفة يرجون ربهن بأن لا ينتهي شهر رمضان هذا العام إلا وقد منّ الله عليهن بإستجابة دعائهن بنزول الفرج القريب وإحتضان الأبناء.

وفي غمرة الترقب والإنتظار وأبواب السماء منفتحة في العشر الأواخر من شهر رمضان الكريم، إذا بجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك مملكة البحرين المعظم حفظه الله يتخذ الخطوة المنتظرة، أمرٌ ملكي سامي بالإفراج عن 1584 سجيناً وموقوفاً منهياً معاناتهم، صانعاً بداية جديدةً في حياتهم، بداية فصل بين الماضي المؤرق والمستقبل المشرق، إنه عفو ملكي سامٍ يفتح نوافذ الأمل أمام عدد كبير من السجناء يلغي التبعات المترتبة على الأحكام القضائية بشأنهم، بما فيها من إستبدال وعقوبات بديلة وسجون مفتوحة وغرامات مالية، إنها الولادة الجديدة التي كانوا ينتظرونها والتي تضع بين أيديهم فرصة ثانية.

وما كاد يصدُر الأمر الملكي السامي بالعفو الخاص عن أحبتنا وأعزاؤنا الذين قضوا زهرة شبابهم خلف القضبان، فتعبوا وأتعبو أهاليهم ومحبيهم، حتى تلقفوا الخبر بفرحٍ وإمتنانٍ كبير وشكر وفير لجلالة الملك حفظه الله الذي طيب الخواطر وطبطب على القلوب المكلومة، إهتزت له المدن والقرى البحرينية التي إستقبلت أبنائها العائدين لأحضان أمهاتهم وآبائهم وإخوتهم وزوجاتهم وبناتهم وأولادهم ومن يحبهم بالفرحة والبهجة، فإنتشرت مظاهر الزينة والفرحة والأهازيج البهيجة المستبشرة والمتطلعة الى مسارات سلام وأمن وأمان أكبر.

وقبل أن يجف مِداد الكلمات التي خطت الأمر الملكي السامي بالعفو الكريم، أضاف صاحب السمو الملكي سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد رئيس الوزراء الموقر على قرار العفو الملكي لمسة حنان وأمان تطمئن القلوب وتفتح أبواب الأمل أمام المفرج عنهم على طريق الإستقرار والإزدهار من خلال التوجيه إلى إستيعابهم في الوظائف المناسبة التي تؤهلهم لإستئناف مسيرتهم المعيشية من حيث توقفت قبل سنوات السجن، وتم بذلك إغلاق باب من القلق والتساؤل حول الخطوة التالية، وأصبح على الجميع تحمل مسؤولياتهم لانهاء هذه التراجيديا المستمرة منذ سنوات.

نعم لقد أصبحت الكرة الآن في مرمى الأطراف الأخرى المطالبة بتتويج هذا العفو الملكي السامي بتفاعل وتعامل إيجابي عملي، ولم يعد مقبولاً بأن يتعذر أحد بأية أسباب تمنع تأهيل وتدريب وتوظيف المفرج عنهم وتسكينهم في أعمال لائقة، لقد سقطت الحجج التي يسوقها البعض بأن هؤلاء السجناء من المغضوب عليهم أو المشكوك في ولائهم، لقد لهذه الإسطوانة المشروخة يجب أن تصمت و تنتهي مفاعيلها، آن للمجتمع أن يستبدل هذا التأزيم والتوتر بمعزوفات وطنية تتحمل المسؤوليات الكبيرة لإستيعاب المفرج عنهم وإحتوائهم، فصدر الوطن يتسع لجميع أبناءه دون تمييز.

لقد بات على كافة وزارات الدولة ومؤسساتها وأجهزتها بأن تتفاعل إيجاباً وسريعاً مع توجيهات سمو رئيس الوزراء،  وتسارع الى تذليل الصعاب أمام المفرج عنهم وحل كافة المعوقات التي تعترض طريقهم، بما في ذلك معالجة ملفاتهم المعلقة في هيئة التأمينات الإجتماعية وتسوية المعاشات التقاعدية لمن يستحقها دون تعقيد وإسقاط الأقساط التأمينة المتأخرة عليهم أو معالجتها برأفة وحكمة، والعمل على عودتهم إلى وظائفهم السابقة دون تعقيد، البدء في اطلاق عملية تدريب وتأهيل لمن لم يسبق له العمل منهم نتيحة صغر سنة وقت توقيفه،  وبالتالي منحهم الفرصة وحق التقدم لأي وظائف شاغرة والحصول على كافة المستندات المطلوبة للالتحاق بأية وظيفة تناسب مؤهلاتهم في القطاع الخاص، وقد بدأت بعض المبادرات الطيبة تستجيب لنداء سمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، مبدية استعدادها لإحتواء أعداد من المفرج عنهم وتوظيفهم حسب مؤهلاتهم، ونحن نطالب بأن تتسع هذه المبادرات وتشمل المصانع والشركات الكبرى وممارسة أعلى درجات المسئولية المجتمعية من خلال المشاركة في إستيعابهم.

إنها خطوة أولى ضرورية ومهمة وكبرى على طريق تعافي الوطن والمواطنين من حقبة الماضي المثقل بالهموم والهواجس بكل ما فيه من مآسي وقلق وضغائن وتوتر ، من أجل أن يتجدد النسيج المجتمعي وتنشط فعالياته ومؤسساته المجتمعية والمدنية لتحمل مسؤولياتها في تعزيز الوحدة الوطنية وتمتين الجبهة الداخلية لتكون قادرة على صدِ وردِ الموجات الملتبسة الراغبة في هز أركان الوطن، أو إحداث الفتة بين مكوناته، ومجدداً نؤكد دعمنا المطلق لخطوات جلالة الملك وحكومته الرشيدة في تصحيح المسار وإغلاق الملفات الساخنة والعالقة، ونأمل استكمال المبادرات والمكرمات الملكية بالعمل الجاد من قبل السلطتين التنفيذية والتشريعية على تأكيد وإستكمال منظومة القوانين التي تقوم على تكريس عدم التمييز والعنصرية وتنشر مبادئ العفو والتسامح، آملين أن تشمل المراحل القادمة كافة السجناء والموقوفين والمحكومين بما فيهم المحكومين بالإعدام والمبعدين والمسقطة جنسياتهم حتى يعود الجميع الى حضن الوطن ويشاركون في نهضته الرائدة وليس ذلك على ملك القلوب ببعيد.